محمد بن وليد الطرطوشي
249
سراج الملوك
وفي الحكمة مكتوب : من أطاع الغضب حرم السلامة ، ومن عصى الحقّ غمره الذّلّ . وقال بعض الحكماء : كظم الغيظ حلم ، والحلم صبر والتشفّي ضرب من الجزع . وقال آخر : أوّل الغضب جنون ، وآخره ندم . وقال بعض الحكماء : إذا غلب على الرّجل أربع خصال فقد عطب : الرغبة ، والرّهبة ، والشّهوة ، والغضب . وقيل لبعض الصالحين : إنّ فلانا يقع فيك « 1 » ، فقال : لأغيظنّ من أمره ، يغفر الله لي وله ، قيل له : ومن أمره ؟ قال : الشيطان . وقال رجل لأخيه : إني مررت بفلان وهو يقع فيك ، ويذكرك بأشياء رحمتك منها ، قال : فهل سمعتني أذكره بشيء ؟ قال : لا ، قال : فإيّاه فارحم . وقال الفضيل « 2 » : ثلاثة لا يلامون على الغضب : المريض ، والصائم ، والمسافر . وقال الأحنف بن قيس : لقد تعلّمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري « 3 » . إني جالس معه في فناء وهو يحدّثنا ، إذ جاء جماعة يحملون قتيلا ، ومعهم رجل مأسور ، فقيل له : هذا ابنك قتله أخوك ، فوالله ما قطع حديثه ولا حلّ حبوته « 4 » ، حتى فرغ من منطقه ، ثم أنشد : أقول للنّفس تأنيبا وتعزية * إحدى يديّ أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه * هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي ثم التفت إلى بعض ولده فقال : قم فأطلق عمّك ، ووار أخاك ، وسق إلى أمّه مائة من الإبل ، فإنها غريبة .
--> ( 1 ) يقع فيك : يشتمك ويغتابك . ( 2 ) هو الفضيل بن عياض ، العابد الصالح ، سبقت ترجمته . ( 3 ) قيس بن عاصم المنقري : أول من وأد البنات في الجاهلية للغيرة والأنفة وتبعه الناس في ذلك إلى أن أبطله الإسلام وهو من شعراء الجاهلية وحكمائها وفصحائها ، أسلم مع وفد تميم سنة 9 ه نزل البصرة في آخر أيامه وتوفي فيها سنة 20 ه . ( الأعلام 5 / 206 ) . ( 4 ) ما حل حبوته : أي لم يقم من مكانه حتى فرغ من كلامه .